السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )
358
مختصر الميزان في تفسير القرآن
المورد تفيد أن الأمن والاهتداء إنما يترتب على الإيمان بشرط انتفاء جميع انحاء الظلم الذي يلبسه ويستر أثره بالمعنى الذي تقدم بيانه . وأما الإيمان المذكور في الآية ففيه إطلاق والمراد به الإيمان بالربوبية الصالح للتقيد بما يصلحه أو يفسده ثم إذا قيد بقوله : « وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ » أفاد الإيمان بربوبية اللّه سبحانه ورفض غيره من شركائهم فإن إبراهيم عليه السّلام ذكر فيما تحكي عنه الآية السابقة أن قولهم بربوبية شركائهم وإيمانهم بها مع كونها من خلق اللّه قول بما لا دليل لهم عليه من جانب اللّه ولا سلطان وأنهم بإيمانهم بشركائهم يتوقون شرا ويستأمنون شقاء ليس لها أن تدفعها لأنها لا تضر ولا تنفع ، وأما هو عليه السّلام فقد خاف وآمن بمن هو فاطره وهو المتصرف بالهداية والمدبر الذي له في كل أمر إرادة ومشية لسعة علمه ، ثم سألهم : أي الفريقين أحق بالأمن والناجح بالإيمان بالرب ، ولكل من الفريقين إيمان بالرب ، وإن اختلفا من جهة الرب ، والذي آمنوا به بين مؤمن برب على ربوبيته دليل ، ومؤمن برب لا دليل على ربوبيته بل الدليل على خلافه . قوله تعالى : وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ الخ ؛ في الإشارة بلفظ البعيد إلى الحجة تفخيم وتعظيم لأمرها لكونها حجة قاطعة جارية على صراط الفطرة مأخوذة بمقدماتها منها . وأما قوله : « نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ » فالدرجات - كما قيل - هي مراقي السلّم ثم توسّع فيها فاطلق على مراتب الكمال من المعنويات كالعلم والايمان والكرامة والجاه وغير ذلك فرفعه تعالى من يشاء من عباده درجات من الرفع هو تخصيصه بكمالات معنوية وفضائل حقيقة في الخيرات الكسبية كالعلم والتقوى وغير الكسبية كالنبوة والرسالة والرزق وغيرها . والدرجات لكونها نكرة في سياق الايجاب مهملة غير مطلقة غير أن المتيقن من معناها بالنظر إلى خصوص المورد هو درجات العلم والهداية فقد رفع اللّه إبراهيم عليه السّلام بهدايته وإراءته ملكوت السماوات والأرض وإيتائه اليقين والحجة القاطعة ، والجميع من العلم ، وقد